محمد محمد أبو ليلة

128

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

ومما ينبغي ملاحظته أيضا أنه لا يوجد تحديد لنوع ما ألقاه الشيطان في أمنيات الرسل في الآية ؛ إذ لم ينص على أنه كلام محدد ، أو أنه مجرد وساوس ، على أن وساوس الشيطان إذا تمكنت من قلوب الأنبياء ، وصاقبت ( جاورت ) الوحي في صدورهم أضعف ذلك الثقة فيهم ؛ أما إذا كانت إلقاءات الشيطان مجرّد وساوس عارضة تلمع ثم تنطفئ وتنمحي ، فإن ذلك جائز على الأنبياء ؛ وهو من عوارض البشرية الملازمة لهم . وعلى هذا لا نرى أن الآية رقم ( 54 ) من سورة الحج لها تعلق من حيث المعنى بالآيات ( 52 - 53 ) من السورة نفسها ؛ وإذن فإن قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) ( الحج : 54 ) الكلام في هذه الآية مستأنف ، ولا تعلق له بالآيتين السابقتين التي لا ذكر فيهما للقرآن . وقد قلنا فيما سبق إن معنى ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ أي بيناته ، وسننه في نصرة الحق وأهله ، وهزيمة الباطل ، وأشياعه . أضف إلى ذلك أن الآيات من أول سورة الحج إلى الآية رقم ( 53 ) من السورة نفسها لا تحتوي على أية إشارة عن القرآن الكريم ، وأن الآيات من رقم ( 39 ) إلى ( 53 ) - وهي أقرب إلى موضوع الآيتين الخاصتين بالإلقاء ( 52 - 53 ) - كلها تتحدث عن صراع الأنبياء مع أقوامهم ، وعن انتصار الحق في النهاية جريا على سنة اللّه تعالى في خلقه ؛ وهذا يعزز وجهة نظرنا في تفسير معنى إلقاء الشيطان في أمنيات أنبياء الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . ويلحق به أن سورة النجم التي زعم أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يقرؤها وأن الشيطان ألقى في قراءته مكية ؛ وأن سورة الحج التي وردت فيها الآية السابقة ، والتي فسرت على أنها خاصة بفقرات الغرانيق مدنية ؛ وليس من المعقول أن اللّه تعالى يترك عباده في وهم الغرانيق دون أن يصحح موقفهم أو يزيل اللبس الاعتقادي عنهم . ولفظ " آية " في آية سورة البقرة فسر على أنه آية من القرآن ، على أن القرآن لم يحدد لنا حجم الآيات أو الأجزاء التي بدلت بغيرها في القرآن الكريم « 1 » . هذه حزمة جافة العيدان من الدعاوى حددناها وصورناها من كلام الكاتب مع تصرف يسير للغاية ؛ والآن نناقشه في منهجه ونتائجه فيما يختص بهذه الآيات :

--> ( 1 ) دائرة المعارف الإسلامية ص 404 .